All posts by نوار إلياس نجمة

نوار إلياس نجمة

عضو مجلس الشعب

X@nawarnajmeh

في التشريع والبرلمان: من يصنع القانون، الأغلبية أم النخب ؟ نوار نجمة في غياب القانون، هل يصبح الإنسان حراً أم يصبح خاضعاً لقوانينه الذاتية؟ التقاليد والزمان والمكان والأديان والأعراف كلها قوانين يعرفها العقل البشري منذ وجوده. والحرية مسألة نسبية جداً وقد تكاد تكون غير موجودة، فنحن لسنا أحراراً كما نعتقد، وإنما نحن مقيدون بوجودنا وزماننا ومكاننا. فإذا كنا لسنا أحراراً فكيف نحاسب على أخطائنا؟ ولكي نحاسب على أخطائنا فإما أن نتمتع بالحرية المطلقة أو أن نكون مجمعين على القوانين التي تحدد أخطاءنا. وهنا تكمن فلسفة القانون؛ فلكي يكون القانون مفيداً وصالحاً لا بد أولاً أن يحصل على الإجماع، وثانياً أن يُطبق بشكل صحيح، وثالثاً أن يكون قادراً على الحلول مكان قوانيننا الذاتية وأن نقبل بذلك. وهنا يكمن تطور البشرية في القدرة على صياغة قوانين جديدة تضمن تقدم المجتمعات، وتحل مكان قوانيننا القديمة أو قوانيننا الذاتية، وأن تكون قابلة للتطبيق. لكن من يقرر أفضلية القوانين؟ الأغلبية أم النخب؟ وماذا لو كان المستوى الحضاري للأغلبية متراجعاً وكانت غير قادرة على التنبؤ بنتائج هذه القوانين على مستقبلها، فهل نتركها للتجربة الذاتية أو نعتمد رأي النخب التي تعرف أكثر، وهي قادرة أكثر من الأغلبية على تقدير صحة القوانين؟ ولكننا هنا نقع في فخ الوصاية، وقد تتحول الوصاية إلى نوع من الاستبداد إذا تمسكت النخب برأيها وحاولت تطبيقه بالقوة. والسؤال الأهم: من الذي يحدد من هي النخب؟ التحصيل العلمي أم التجربة أم امتلاك المال والسلطة؟ هذه قضايا تتعلق أصلاً بقيم المجتمعات وثقافتها. فبين المضي بقوانين تحددها رغبة الأغلبية أو قوانين تختارها وتضعها النخب، يبقى الخيار الأفضل هو حوار النخب مع الأغلبية والميل إلى سياسة الإقناع، فقد تصل الأغلبية إلى رأي قريب من رأي النخب، وهنا تكون القوانين هي أفكار النخب التي اقتنعت بها الأغلبية. قد تكون المؤسسات البرلمانية هي المكان الذي يصنع هذا التوافق، ولكنها تجعل من الضرورة ألا يكون البرلمان مرآة عاكسة لرأي الأغلبية بقدر ما يكون قاطرة متقدمة تقود عملية التغيير، متسلحة بقوة السلطة الرابعة التي هي الإعلام؛ الإعلام الذي يدرك تماماً دوره في المجتمع، فما بين ثقافة نقل المعلومة التي أصبحت تاريخاً، وثقافة تحليلها وإنتاج الأفكار الجديدة، يكون التحدي الحقيقي الذي تفرضه ثورة المعلومات التي حولت المعلومة إلى بضاعة رخيصة الثمن متوفرة للجميع، ليتحول إنتاج الأفكار الجديدة إلى التحدي الأكبر. وهنا تكمن نقاط تميز البرلمانات الحقيقية القادرة على إنتاج القيم والأفكار الجديدة التي تقدمها للمجتمع بشكل قوانين وتشريعات جديدة تستطيع أن تقنع الشعوب بتغيير قوانينها الذاتية. لكن النخب قد تفكر بعقل جامد يعتمد الثوابت الفكرية والعلمية، وقد تبتعد عن أحاسيس الناس ومشاعرهم وتاريخهم وأفراحهم وأحزانهم وثقافاتهم وتنوعهم وتعدد معتقداتهم، لذلك قد تنتج قوانين عقلية صارمة بعيدة عن مشاعر الناس فلا تلقى القبول وتصعب على التطبيق. وهنا تكمن أهمية الحوار متعدد الطبقات، وتكمن أهمية تنوع الانتماءات داخل البرلمان، واستعداد الأكثريات والأقليات للبحث عن قواعد مشتركة لإدارة الحوار؛ فما هو ثابت ومقدس عند جزء من الناس قد يكون من دون قيمة عند جزء آخر، وربما يكون من الصعوبة بمكان أن نثبت من هو الأصح، خاصة عندما يتعلق الأمر بما هو غير مادي وغير محسوس وغير مدرك بالعقل المادي للأشياء، فحدود إدراك العقل البشري المادية محدودة لكن حدوده غير المادية غير محدودة، وما هو محسوم عند فئة من الناس هو محل شك ورفض عند فئة أخرى، وهنا لا بد من الحوار دون مسلمات نهائية تخلق الحواجز منذ البداية؛ لأن القانون يصنعه كل المواطنين، وإذا لم تستطع النخب إقناع الأغلبيات والأقليات به، فلن تستطيع تطبيقه إلا من خلال الاستبداد، وهنا تكون كل المحاولات لاكتساب الحرية هي محاولات لقمعها.
في التشريع والبرلمان: من يصنع القانون، الأغلبية أم النخب ؟