نوار إلياس نجمة
عضو مجلس الشعب
إكس@nawarnajmeh
مجلس الشعب بين تحديات النجاح وصعوبة المسار...
صحيفة الثورة
نوار نجمة
مع بداية الأسبوع القادم يبدأ مجلس الشعب العمل التشريعي بانعقاد اولى جلساته بعد إقرار النظام الداخلي وتشكيل اللجان الدائمة.
البدايات هي البدايات وفيها أجمل اللحظات وأصعبها، وعندها تظهر التحديات، وفي صحة ترتيبها حُسن النهايات.
مجلس الشعب الجديد وقصة عمرها الآن أكثر من عام من بداية التشكيل حتى بداية العمل، واقعية التشكيل والآلية التي اعتُمدت حملت أوجه القوة ونقاط الضعف، وهذا رأي اجتهدنا فيه.
انتخابات غير مباشرة من خلال هيئات ناخبة كان أمامها التحدي الكبير الذي تمثل في فلسفة الاختيار،
لكن الخيار كان شبه وحيد، فالتعيين له من ينتقده، وأما الانتخابات المباشرة فبالرغم من صعوباتها إلا أنها دائمًا تبقى الفخ الذي تقع فيه الثورات.
لأن الشعوب والثقافات لا تتغير بتغير الأنظمة، وهذه حال الأمم، والانتخابات المباشرة كانت ستتأثر بثقافة انتخابية تبتعد عن الديمقراطية والنزاهة المالية وتأثير مراكز النفوذ البائدة، إلا أنها يجب أن تبقى دائمًا الهدف الذي نسعى له في نهاية المرحلة الانتقالية.
جاء الثلث الرئاسي مرممًا قدر الإمكان لمواقع الخلل في التمثيل الذي ابتعد عن المحاصصة قدر اقترابه منها، وحاول أن يكون تمثيليًا أكثر من كونه تحاصصيًا.
لن يكون هذا البرلمان أفضل البرلمانات لأننا نطمح دائمًا نحو الأفضل، ولكنه قد يعاني من تحديات كبيرة يستلزمها نشوء المجتمعات الجديدة. والمجتمعات الجديدة تحتاج إلى أفكار جديدة، والأفكار تحتاج إلى أدوات وإلى صانعي أفكار.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رجالات دولة أكثر من ممثلين محليين أو مناطقيين أو طائفيين أو عرقيين.
رجال دولة يشكلون عقل الأمة وينتقلون بعقلية تشريعية حداثية من فلسفة الاستبداد إلى فلسفة الحرية، ومن فلسفة الفساد إلى فلسفة القانون، ومن منطق الظلم الاجتماعي إلى منطق المساواة العادلة.
المساواة فكرة جامدة وظالمة، والأسمى منها هي العدالة.
هذا الانتقال الفكري بعقل المجتمع السوري يحتاج إلى صانعي أفكار وقادة للرأي العام ورجالات يخلقون ثقافة برلمانية جديدة تبتعد عن منطق حل المشكلات الصغيرة والقضايا الفردية المحلية، وإنما تنتقل من الخاص إلى العام، تبتعد عن الشعبوية وثقافة إرضاء الناس وتدخل في عمق صياغة المستقبل وتعبيد طرقات الحداثة والقوننة التي ترسم ملامح الهوية السورية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وهنا يبرز عمل لجان مجلس الشعب لتكون ظل الوزارات وأدواتها التشريعية المتطورة والدافعة الأساسية لسرعة معالجة الفجوة التشريعية التي تعرقل عمل السلطة التنفيذية وتحد من الاستثمار في النصر وفي الإنجازات الخارجية الهائلة التي رسمها الرئيس الشرع والوزير الشيباني.
فهذه الإنجازات الخارجية لا بد أن ينعكس صداها على الداخل وعلى السلطة التنفيذية التي لا تزال مكبلة بعقلية تشريعية مؤلفة من مجموعة من القوانين البالية والفاسدة والمستبدة.
وهنا ينتقل النواب من تحدي إرضاء الناس إلى تحدي بناء المستقبل غير متنازلين عن دور رقابي إيجابي تفرضه عليهم ضرورات المرحلة ونضالات الثورة وحقوق الناس وقضايا مهمة كالعدالة الانتقالية.
هذا الدور الرقابي الذي يجب أن يبتعد عن العقلية النقدية ويقترب قدر الإمكان من العقلية الناصحة، المنبهة والموجهة إلى مواطن الضعف والخطأ.
لجان مجلس الشعب هي المحرك والماكينة الحقيقية لعمل المجلس وإصلاح قطاعات التعليم والصحة، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وتحصين القوانين وتجديدها، وخلق البيئة التشريعية الاستثمارية التي تحفظ موارد البلاد وتراعي حقوق الناس وعدالة توزيع الدخل القومي، ورسم سياسة اقتصادية إجرائية حديثة فيها كل الأفكار التي تضمن حرية السوق وعدالة الاستفادة من النمو.
وبصفتي نائبًا لرئيس اللجنة الدبلوماسية، أعتقد أن الإنجازات الخارجية الكبيرة وهذه الانتصارات التي رسمتها دبلوماسية واقعية أنيقة ونظيفة ومرنة، تحتاج دائمًا إلى من يدعمها بتشريعات وقوانين تكون على مستوى النجاح الذي تحقق، وأن تكون هذه اللجنة حريصة على أن تلعب دورها البرلماني بهدوء متعاون ليكرس ويعزز إنجازات الدولة على هذا الصعيد، وليشرح بتواضع المشروع السوري الجديد في كل المناسبات.
إن الرقابة على عمل مجلس الشعب هي بالدرجة الأولى رقابة ذاتية، وهي رقابة إعلامية، وهي رقابة الرأي العام، وهي ضرورية لحسن أداء المجلس والنواب الذين عليهم أن يبتعدوا عن التفاصيل دون إهمالها، وأن يسعوا إلى نقاشات تبتعد عن العدمية وتغوص في المعنى ودقة القوانين وروحها أحياناً، لأن النفوذ إلى روح القانون قد يكون أسرع وسيلة للتشريع الناجح الذي يحرق المراحل.
إن رغبات الناس وآمالها وطموحاتها هي هاجس البرلمان، لكنها يجب ألا تقود العمل البرلماني الذي يجب أن يكون الأداة التي ترتقي بهذه الطموحات وتضعها في إطارها الصحيح.