نوار إلياس نجمة
عضو مجلس الشعب
إكس@nawarnajmeh
الثقافة العربية والإسلام ومكانةُ مسيحيي الشرق...
نوار نجمة
أدرك مسيحيو الشرق منذ فجر الإسلام أن أفكارًا كبرى هي في الطريق لهذه البلاد وأنها أفكارٌ جديدة ٌجامعة، موحدةٌ، بعيدة عن منطق العداوة للمسيحيين وأهل الكتاب، وقدّ نما إلى عقلهم أن هذه الأفكار هي ذاتها التي سوف تكون قاطرة الشعوب العربية إلى المستقبل وإلى المجد.
معلقات الكعبة الشريفة وشعراء الجاهلية ( أمرؤ القيس وطرفة بن العبد وآخرون ... ) كانوا مبعث الأفكار العربية قبل الإسلام، وكان كل شاعر مؤسسةً أو منصةً إعلامية اجتماعية وسياسية لقبائل العرب في كل مكان.
لكن هذه القبائل العربية التي امتلكت مكرَ السياسيين مع الشجاعة وطموحات الصعود ومهارة استخدام اللغة والتعابير، كانت عاجزة عن بلورة معنى الحضارة أو ترتيب أفكار الحداثة، وكانت بحاجة لقافلة فكرية ثقافية كبرى تقود أحلامها. فكان الإسلام هو تلك القافلة التي رتبت الأفكار وجاءت بمعجزة القرآن الذي جمع بين جمال اللغة وعمق المعنى، وكان الرسول العربي هو القائد الملهم والمعلم الأخلاقي الذي اجتمعت فيه أحلام الناس وكان هو الحامل الأساسي لطموحات هذه الشعوب نحو تأسيس حضارة عربية إسلامية تجاوزت الحدود والجغرافيا والتاريخ.
أدرك رجالاتُ المسيحيين العرب مبكراً هذه الحقيقة وأن هذه الموجة الحضارية الكبيرة هي قافلتهم أيضًا للصعود والمجد والرفعة، وأدركوا أن دعم هذا المشروع الصاعد الذي منحهم حرية العبادة والاعتقاد قد يكون في صالحهم وصالح تعايشهم في منطقة الشرق الأوسط.
فاندفعت شخصيات مسيحية كبيرة مثل سرجون بن منصور وإبنه يوحنا الدمشقي لدعم هذا المشروع مع بداية الدولة الأموية ليتشكل فيما بعد تيار كبير عُرف باسم المسيحيين الأمويين، و لم يتوقف الأمر هنا، فقد استمر التاريخ في انجاب المسيحيين العرب الذين حملوا لواء اللغة والثقافة وتأسيس الحركات السياسية الكبرى مستخدمين دائماً رافعة واحدة للصعود وهي الانتماء العربي والانتماء الفكري للثقافة العربية، متحولين بذلك من منطق الأقلية إلى عقل الأكثرية.
عَبَرَ مسيحيو الشرق أحداث التاريخ إلى جانب إخوتهم المسلمين بوفاء ودعم تجلى في موقفهم أثناء فترة الحروب الصليبية عندما قاتل مسيحيو الشرق صفاً واحداً مع المسلمين دفاعاً عن مقدسات اسلامية ومسيحية في أرض هي مقدسة عند الجميع، إلى يومٍ اعتلت فيه شخصيات مسيحية منابر المساجد ورفضت بدعة الحماية في مخططات المستعمر الفرنسي ، وكانوا قيادات حقيقية في حركة التحرر العربي في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
حاولت بعض القوى الاستعمارية أن تلعب عبر التاريخ ورقة الأقليات متحالفة مع طبقة تجارية مصلحية، وكانت مشاريع متجددة تقوم على فكرة أحلاف تجمع هذه الأقليات، فشلت جميعها وكان دور المثقفين والمفكرين المسيحيين دائماً هو الذي يدق الإسفين الأقوى في نعش هذه التحالفات عبر التاريخ، منطلقًا من وضوح الرؤية الدينية والاجتماعية والسياسية لدى المسيحيين، لأن العقيدة المسيحية هي عقيدة واضحة ظاهرة تبتعد عن الباطنية والاختفاء، وهي بهذا تنسجم مع المشروع العربي الإسلامي الذي كان يُعلي المعنى الظاهر للدين ويرفض الأفكار الباطنية.
محطاتٌ اربعةٌ أمتُحنَ فيها الدور المسيحي منذ عهد دولة بني أمية مروراً بالحروب الصليبية وفترات الانتداب والحماية، وصولاً إلى اليوم.
بناء الدولة السورية الجديدة بعد تحرر السوريين في ٨ كانون الأول كان بناءً مختلفًا وقد يكون البناء المؤسس، فهو يستفيد من تجربة ثورية أخلاقية ولأنه ينبثق وللمرة الأولى من أفكار واقعية حقيقية ليست مستوردة وليست دخيلة على هذا المجتمع، وهي أفكار إسلام بلاد الشام الهادئ الواثق المحافظ الذي تعايش منذ آلاف السنين مع مسيحيي الشرق.
إن الدور المسيحي بما يمتلكه المسيحيون اليوم في سوريا من كفاءة وعلم وأخلاق وشعور وطني عالٍ وامتلاك لسحر الشرق المُطعم بثقافة غربية استطاع المسيحيون أن يمتلكوا مفاتيحها، إن هذا الدور هو دورٌ مؤسس في هذه الدولة الجديدة.
ويبدو من مسيرة الأحداث أن مسيحيي الداخل في سوريا قد أخذوا قرارهم الوطني مرة أخرى في دعم الاستقرار والتعامل مع المرحلة الجديدة على أنها مرحلتهم وفرصتهم الجديدة ليساهموا في بناء الوطن الواحد الذي لاتمزقه الإنتماءات الصغيرة والهويات الضيقة، ومدركين مرة أخرى أن مقتلهم في تقوقعهم وأن قوتهم في اندماجهم المنطقي في الدولة والعهد الجديد.
لأنه لا يوجد شيء جديد في هذا العالم إلا التاريخ الذي لا نعرفه.
وكما في كل المراحل قد تعلو أصواتُ هنا أو هناك تنتقدُ هذا الطرح، لكنها أصوات تواجه الواقع، الواقع الذي لا يوجد شيء يعبرُ عنه أكثر من الواقع نفسه، و هي أصواتُ قد يغيب عنها بُعدُ النظر والطريق الواسع الذي تفتحهُ هذه الطروحات أمام مسيحيي الشرق بعيداً عن طرقات وأزقة ضيقة تضيع فيها الآمال .